۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ
﴿٥٩﴾سورة الأنعام تفسير القرطبي
جَاءَ فِي الْخَبَر أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمَّا نَزَلَتْ نَزَلَ مَعَهَا اِثْنَا عَشَر أَلْف مَلَك . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عِيهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَفَاتِح الْغَيْب خَمْس لَا يَعْلَم مَا تَغِيض الْأَرْحَام إِلَّا اللَّه وَلَا يَعْلَم مَا فِي غَد إِلَّا اللَّه وَلَا يَعْلَم مَتَى يَأْتِي الْمَطَر إِلَّا اللَّه وَلَا تَدْرِي نَفْس بِأَيِّ أَرْض تَمُوت إِلَّا اللَّه وَلَا يَعْلَم مَتَى تَقُوم السَّاعَة إِلَّا اللَّه ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِر بِمَا يَكُون فِي غَد فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّه الْفِرْيَة ; وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : " قُلْ لَا يَعْلَم مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا اللَّه " [ النَّمْل : 65 ] . وَمَفَاتِح جَمْع مَفْتَح , هَذِهِ اللُّغَة الْفَصِيحَة . و يُقَال : مِفْتَاح وَيُجْمَع مَفَاتِيح . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن السَّمَيْقَع " مَفَاتِيح " . وَالْمِفْتَح عِبَارَة عَنْ كُلّ مَا يَحُلّ غَلْقًا , مَحْسُوسًا كَانَ كَالْقُفْلِ عَلَى الْبَيْت أَوْ مَعْقُول كَالنَّظَرِ وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه وَأَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ فِي صَحِيحه عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ النَّاس مَفَاتِيح لِلْخَيْرِ مَغَالِيق لِلشَّرِّ وَإِنَّ مِنْ النَّاس مَفَاتِيح لِلشَّرِّ مَغَالِيق لِلْخَيْرِ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّه مَفَاتِيح الْخَيْر عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْل لِمَنْ جَعَلَ اللَّه مَفَاتِيح الشَّرّ عَلَى يَدَيْهِ ) . وَهُوَ فِي الْآيَة اِسْتِعَارَة عَنْ التَّوَصُّل إِلَى الْغُيُوب كَمَا يُتَوَصَّل فِي الشَّاهِد بِالْمِفْتَاحِ إِلَى الْمُغَيَّب عَنْ الْإِنْسَان ; وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ قَوْل النَّاس اِفْتَحْ عَلَيَّ كَذَا ; أَيْ أَعْطِنِي أَوْ عَلِّمْنِي مَا أَتَوَصَّل إِلَيْهِ بِهِ . فَاَللَّه تَعَالَى عِنْده عِلْم الْغَيْب , وَبِيَدِهِ الطُّرُق الْمُوَصِّلَة إِلَيْهِ , لَا يَمْلِكهَا إِلَّا هُوَ , فَمَنْ شَاءَ إِطْلَاعه عَلَيْهَا أَطْلَعَهُ , وَمَنْ شَاءَ حَجَبَهُ عَنْهَا حَجَبَهُ . وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ إِفَاضَته إِلَّا عَلَى رُسُله ; بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُطْلِعكُمْ عَلَى الْغَيْب وَلَكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُله مَنْ يَشَاء " [ آل عِمْرَان : 179 ] وَقَالَ : " عَالِم الْغَيْب فَلَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه أَحَدًا إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول " [ الْجِنّ : 26 - 27 ] . الْآيَة وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْمَفَاتِحِ خَزَائِن الرِّزْق ; عَنْ السُّدِّيّ وَالْحَسَن . مُقَاتِل وَالضَّحَّاك : خَزَائِن الْأَرْض . وَهَذَا مَجَاز , عُبِّرَ عَنْهَا بِمَا يُتَوَصَّل إِلَيْهَا بِهِ . وَقِيلَ : غَيْر هَذَا مِمَّا يَتَضَمَّنهُ مَعْنَى الْحَدِيث أَيْ عِنْده الْآجَال وَوَقْت اِنْقِضَائِهَا . وَقِيلَ : عَوَاقِب الْأَعْمَار وَخَوَاتِم الْأَعْمَال ; إِلَى غَيْر هَذَا مِنْ الْأَقْوَال . وَالْأَوَّل الْمُخْتَار . وَاَللَّه أَعْلَم .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَضَافَ سُبْحَانه عِلْم الْغَيْب إِلَى نَفْسه فِي غَيْر مَا آيَة مِنْ كِتَابه إِلَّا مَنْ اِصْطَفَى مِنْ عِبَاده . فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَنْزِل الْغَيْث غَدًا وَجَزَمَ فَهُوَ كَافِر , أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَةٍ اِدَّعَاهَا أَمْ لَا . وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ يَعْلَم مَا فِي الرَّحِم فَهُوَ كَافِر ; فَإِنْ لَمْ يَجْزِم وَقَالَ : إِنَّ النَّوْء يُنْزِل اللَّه بِهِ الْمَاء عَادَة , وَأَنَّهُ سَبَب الْمَاء عَادَة , وَأَنَّهُ سَبَب الْمَاء عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمه لَمْ يَكْفُر ; إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ أَلَّا يَتَكَلَّم بِهِ , فَإِنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِكَلِمَةِ أَهْل الْكُفْر , وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَته ; لِأَنَّهُ يَنْزِل مَتَى شَاءَ , مَرَّة بِنَوْءِ كَذَا , وَمَرَّة دُون النَّوْء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِن بِي وَكَافِر بِالْكَوْكَبِ ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي " الْوَاقِعَة " إِنْ شَاءَ اللَّه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَكَذَلِكَ قَوْل الطَّبِيب : إِذَا كَانَ الثَّدْي الْأَيْمَن مُسْوَدّ الْحَلَمَة فَهُوَ ذَكَر , وَإِنْ كَانَ فِي الثَّدْي الْأَيْسَر فَهُوَ أُنْثَى , وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَة تَجِد الْجَنْب الْأَيْمَن أَثْقَل فَالْوَلَد أُنْثَى ; وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَة لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَة لَمْ يَكْفُر وَلَمْ يَفْسُق . وَأَمَّا مَنْ اِدَّعَى الْكَسْب فِي مُسْتَقْبَل الْعُمُر فَهُوَ كَافِر . أَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْكَوَائِن الْمُجَمَّلَة أَوْ الْمُفَصَّلَة فِي أَنْ تَكُون قَبْل أَنْ تَكُون فَلَا رِيبَة فِي كُفْره أَيْضًا . فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوف الشَّمْس وَالْقَمَر فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُؤَدَّب وَلَا يُسْجَن . أَمَّا عَدَم تَكْفِيره فَلِأَنَّ جَمَاعَة قَالُوا : إِنَّهُ أَمْر يُدْرَك بِالْحِسَابِ وَتَقْدِير الْمَنَازِل حَسْب مَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ مِنْ قَوْله : " وَالْقَمَر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل " [ يس : 39 ] . وَأَمَّا أَدَبهمْ فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكّ عَلَى الْعَامَّة , إِذْ لَا يُدْرِكُونَ الْفَرْق بَيْن هَذَا وَغَيْره ; فَيُشَوِّشُونَ عَقَائِدهمْ وَيَتْرُكُونَ قَوَاعِدهمْ فِي الْيَقِين فَأُدِّبُوا حَتَّى يُسِرُّوا ذَلِكَ إِذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ . قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْبَاب أَيْضًا مَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بَعْض أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة ) . وَالْعَرَّاف هُوَ الْحَازِر وَالْمُنَجِّم الَّذِي يَدَّعِي عِلْم الْغَيْب . وَهِيَ مِنْ الْعَرَّافَة وَصَاحِبهَا عَرَّاف , وَهُوَ الَّذِي يَسْتَدِلّ عَلَى الْأُمُور بِأَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَات يَدَّعِي مَعْرِفَتهَا . وَقَدْ يَعْتَضِد بَعْض أَهْل هَذَا الْفَنّ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ وَالطُّرُق وَالنُّجُوم , وَأَسْبَاب مُعْتَادَة فِي ذَلِكَ . وَهَذَا الْفَنّ هُوَ الْعِيَافَة ( بِالْيَاءِ ) . وَكُلّهَا يَنْطَلِق عَلَيْهَا اِسْم الْكِهَانَة ; قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض . وَالْكِهَانَة : اِدِّعَاء عِلْم الْغَيْب . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي كِتَاب ( الْكَافِي ) : مِنْ الْمَكَاسِب الْمُجْتَمَع عَلَى تَحْرِيمهَا الرِّبَا وَمُهُور الْبَغَايَا وَالسُّحْت وَالرِّشَا وَأَخْذ الْأُجْرَة عَلَى النِّيَاحَة وَالْغِنَاء , وَعَلَى الْكِهَانَة وَادِّعَاء الْغَيْب وَأَخْبَار السَّمَاء , وَعَلَى الزَّمْر وَاللَّعِب وَالْبَاطِل كُلّه . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَقَدْ اِنْقَلَبَتْ الْأَحْوَال فِي هَذِهِ الْأَزْمَان بِإِتْيَانِ الْمُنَجِّمِينَ , وَالْكُهَّان لَا سِيَّمَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّة ; فَقَدْ شَاعَ فِي رُؤَسَائِهِمْ وَأَتْبَاعهمْ وَأُمَرَائِهِمْ اِتِّخَاذ الْمُنَجِّمِينَ , بَلْ وَلَقَدْ اِنْخَدَعَ كَثِير مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْفِقْهِ وَالدِّين فَجَاءُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْكَهَنَة وَالْعَرَّافِينَ فَبَهْرَجُوا عَلَيْهِمْ بِالْمُحَالِ , وَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُمْ الْأَمْوَال فَحَصَلُوا مِنْ أَقْوَالهمْ عَلَى السَّرَاب وَالْآل , وَمِنْ أَدْيَانهمْ عَلَى الْفَسَاد وَالضَّلَال . وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة ) . فَكَيْفَ بِمَنْ اِتَّخَذَهُمْ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ مُعْتَمِدًا عَلَى أَقْوَالهمْ . رَوَى مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاس عَنْ الْكُهَّان فَقَالَ : ( إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ ) فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُون حَقًّا ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تِلْكَ الْكَلِمَة مِنْ الْحَقّ يَخْطَفهَا الْجِنِّيّ فَيُقِرّهَا فِي أُذُن وَلِيّه قَرَّ الدَّجَاجَة فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَة كَذْبَة ) . قَالَ الْحُمَيْدِيّ : لَيْسَ لِيَحْيَى بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة فِي الصَّحِيح غَيْر هَذَا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي الْأَسْوَد مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ الْمَلَائِكَة تَنْزِل فِي الْعَنَان وَهُوَ السَّحَاب فَتَذْكُر الْأَمْر قُضِيَ فِي السَّمَاء فَتَسْتَرِق الشَّيَاطِين السَّمْع فَتَسْمَعهُ فَتُوحِيه إِلَى الْكُهَّان فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَة كَذْبَة مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ ) . وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى فِي " سَبَأ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَعْظَم الْمَخْلُوقَات الْمُجَاوِرَة لِلْبَشَرِ , أَيْ يَعْلَم مَا يَهْلِك فِي الْبَرّ وَالْبَحْر . وَيُقَال : يَعْلَم مَا فِي الْبَرّ مِنْ النَّبَات وَالْحَبّ وَالنَّوَى , وَمَا فِي الْبَحْر مِنْ الدَّوَابّ وَرِزْق مَا فِيهَا " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة إِلَّا يَعْلَمهَا " رَوَى يَزِيد بْن هَارُون عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ زَرْع عَلَى الْأَرْض وَلَا ثِمَار عَلَى الْأَشْجَار وَلَا حَبَّة فِي ظُلُمَات الْأَرْض إِلَّا عَلَيْهَا مَكْتُوب بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم رِزْق فُلَان بْن فُلَان ) وَذَلِكَ قَوْله فِي مُحْكَم كِتَابه
وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد أَنَّ الْوَرَقَة يُرَاد بِهَا السِّقْط مِنْ أَوْلَاد بَنِي آدَم , وَالْحَبَّة يُرَاد بِهَا الَّذِي لَيْسَ بِسِقْطٍ , وَالرَّطْب يُرَاد بِهِ الْحَيّ , وَالْيَابِس يُرَاد بِهِ الْمَيِّت . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا قَوْل جَارٍ عَلَى طَرِيقَة الرُّمُوز , وَلَا يَصِحّ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَت إِلَيْهِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَمَا تَسْقُط مِنْ وَرَقَة " أَيْ مِنْ وَرَقَة الشَّجَر إِلَّا يَعْلَم مَتَى تَسْقُط وَأَيْنَ تَسْقُط وَكَمْ تَدُور فِي الْهَوَاء , وَلَا حَبَّة إِلَّا يَعْلَم مَتَى تَنْبُت وَكَمْ تَنْبُت وَمَنْ يَأْكُلهَا , " وَظُلُمَات الْأَرْض " بُطُونهَا وَهَذَا أَصَحّ ; فَإِنَّهُ مُوَافِق لِلْحَدِيثِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْآيَة . وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلْهِدَايَةِ . وَقِيلَ : " فِي ظُلُمَات الْأَرْض " يَعْنِي الصَّخْرَة الَّتِي هِيَ أَسْفَل الْأَرَضِينَ السَّابِعَة . " وَلَا رُطَب وَلَا يَابِس " بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى اللَّفْظ . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَطْفًا عَلَى مَوْضِع " مِنْ وَرَقَة " ; ف " - مِنْ " عَلَى هَذَا لِلتَّوْكِيدِ
أَيْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ لِتَعْتَبِر الْمَلَائِكَة بِذَلِكَ , لَا أَنَّهُ سُبْحَانه كَتَبَ ذَلِكَ لِنِسْيَانٍ يَلْحَقهُ , تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : كَتَبَهُ وَهُوَ يَعْلَمهُ لِتَعْظِيمِ الْأَمْر , أَيْ اِعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب مَكْتُوب , فَكَيْفَ بِمَا فِيهِ ثَوَاب وَعِقَاب .